الشيخ محمد رشيد رضا
16
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سبقوا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النجاشي . فقالوا انه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها زعم أنه نبي . وانه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك . فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم . قال : ان جاؤني نظرت فيما يقولون . فلما قدم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتوا إلى باب النجاشي قالوا : استأذن لأولياء اللّه ، فقال ائذن لهم فمرحبا بأولياء اللّه ؟ فلما دخلوا عليه سلموا . فقال الرهط من المشركين : ألم تر أيها الملك انا صدقناك وانهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها . فقال لهم ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا انا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة . فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا يقول عبد اللّه ورسوله وكلمة من اللّه وروح منه ألقاها إلى مريم ويقول في مريم إنها العذراء الطيبة البتول . قال فأخذ عودا من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود « 1 » فكره المشركون قوله وتغير له وجوههم . فقال : هل تقرؤن شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا نعم . قال : فاقرؤا فقرؤا - وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى - فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرؤا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق . قال اللّه ( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ) هذا وان المحدثين يجمعون بين أمثال هذه الروايات بتعدد الوقائع فإن لم يمكن الجمع اعتمدوا على ما كان أقوى سندا ذكر هذه الروايات الحافظ السيوطي في الدر المنثور . وذكر رواية أخرى أخرجها الطبراني مختصرة والبيهقي في الدلائل مطولة عن سلمان الفارسي ( رض ) في سبب اسلامه . ملخصها انه كان مجوسيا وظفر ببعض عباد النصارى المنقطعين في بعض الجبال وسافر معهم من بلاده إلى الموصل وهنالك اتصلوا بعباد مثلهم ولقوا رجلا كان منقطعا للعبادة في كهف عظموه كثيرا ، ووعظهم هو وعظا بليغا ، ذكر فيه ان عيسى كان رسولا للّه وعبدا أنعم عليه فتكر ذلك له . وكان الرجل لا يخرج من الكهف الا يوم الأحد . ثم سافر العابد وسافر معه سلمان إلى بيت المقدس . وهنالك
--> ( 1 ) أي مثل هذا العود في صغره